عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
404
اللباب في علوم الكتاب
وقال عطاء : سنمكر بهم ، وقيل : نأتيهم من مأمنهم كقوله : فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا [ الحشر : 2 ] . وقال الكلبيّ : نزين لهم أعمالهم لتهلكهم . وقال الضّحّاك كلّما جدّدوا معصية جدّدنا نعمة . وقال سفيان الثّوري : نسبغ عليهم النّعم ثم نسلبهم الشّكر من حيث لا يعلمون ما يراد بهم ، ثمّ يأخذهم اللّه دفعة واحدة على غرّتهم أغفل ما يكون ولهذا قال عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - لمّا حمل إليه كنوز كسرى اللّهمّ إني أعوذ بك أن أكون مستدرجا ، فإني سمعتك تقول : « سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ » . قوله : وَأُمْلِي لَهُمْ جوّز أبو البقاء فيه أن يكون خبر مبتدأ مضمر ، أي : وأنا أملي وأن يكونا مستأنفا ، وأن يكون معطوفا على سنستدرج ، وفيه نظر : إذ كان من الفصاحة لو كان كذا لكان ونملي بنون العظمة . ويجوز أن يكون هذا قريبا من الالتفات والإملاء : الإمهال والتطويل ، والمتين : القويّ ، ومنه المتن وهو الوسط ؛ لأنّه أقوى ما في الحيوان ، وقد متن يمتن متانة أي : قوي . وقرأ العامّة إنّ كيدي بالكسر على الاستئناف المشعر بالعليّة . وقرأ ابن « 1 » عامر في رواية عبد الحميد أنّ كيدي بفتح الهمزة على العلّة . والمليّ : زمان طويل من الدّهر ، ومنه قوله : وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا [ مريم : 46 ] أي : طويلا والمعنى : أطيل لهم مدة أعمارهم ليتمادوا في المعاصي ، ولا أعاجلهم في العقوبة ، ليقلعوا عن المعصية بالتّوبة . وقوله : إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ قال ابن عباس : يريد : إنّ مكري شديد « 2 » . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 184 إلى 186 ] أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 184 ) أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ( 185 ) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 186 ) قوله : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ . يجوز في « ما » أوجه : أحدها : أن تكون استفهامية في محلّ رفع بالابتداء ، والخبر « بصاحبهم » أي : أيّ شيء استقرّ بصاحبهم من الجنون ؟ ف : الجنّة : مصدر يراد بها الهيئة ، ك : الرّكبة ، والجلسة .
--> ( 1 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 482 ، والبحر المحيط 4 / 429 ، والدر المصون 3 / 377 . ( 2 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 272 ) عن السدي بهذا اللفظ وعزاه لأبي الشيخ .